ابو القاسم عبد الكريم القشيري

472

لطائف الإشارات

حالنا ، وإن الذي حملنا من حلّى القبط صاغ السامرىّ منه العجل . . وكذلك الحرام من حطام الدنيا لا يخلو من شؤم أثره . فلقد كانت الغنيمة وأموال المشركين حراما عليهم ، فاستعاروا الحلىّ من القبط ، وآل إليهم ما كان في أيديهم من الملك ، فكان سبب عبادتهم العجل . . كذلك من انهمك في طلب الدنيا من غير وجه حلال يكون على خطر من رقّة دينه ، قال تعالى : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 88 إلى 89 ] فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) يقال إنهم لمّا مرّوا على قوم يعبدون أصناما لهم قالوا لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان ميلهم إلى عبادته مستكنّا في قلوبهم ، فصاغ السامرىّ العجل على تلك الصورة . وفي هذه إشارة إلى أن خفايا الهوى إذا استكنّت في القلب فما لم ينقش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة يخشى أن يلقى صاحبه ( . . . ) « 2 » . ويقال إن موسى - عليه السلام - خرج من بين أمته أربعين يوما فرضى قومه بعبادة العجل ، ونبيّنا - عليه السلام - خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ذكر واحد عند من أخلص من أمته في التوحيد حديثا في التشبيه لعدوا ذلك منه كبيرة ليس له منها مخلص « 3 » . كذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدّلوه تبديلا ، بينما ضمن الحقّ - سبحانه - إعزاز هذا الكتاب بقوله : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 4 » .

--> ( 1 ) آية 23 سورة الجاثية . ( 2 ) مشتبهة وهي في الرسم تقرب من ( نعيبه ) والنعيب صوت الغراب . . فهل يقصد القشيري - ما ذكره منذ قليل - أن صاحبه يلقى شؤم أثر ذلك ؟ أم أن اللفظة في الأصل غير ذلك ؟ ربما كانت ( نحبه ) أو ( نعيه ) أو ( مغبته ) . ( 3 ) لأن المشبهة يدنون بتصوراتهم المادية عن الألوهية من عيدة العجل . ( 4 ) آية سورة الحجر .